صعود اليمين المتطرف في ألمانيا - فوز تاريخي لحزب البديل من أجل ألمانيا في ساكسونيا أنهالت

بوابة براندنبورغ مع صندوق الاقتراع بألوان ألمانيا، ستايل إخباري نقي ومقبول عند

 


تشهد ألمانيا تحولا سياسيا غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بعد أن حقق حزب البديل من أجل ألمانيا المعروف اختصارا بـ AfD فوزا تاريخيا في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت التي جرت يوم السادس من شتنبر 2026، حيث حصد الحزب نسبة 43.8 بالمئة من الأصوات حسب النتائج الرسمية الأولية، وهي نسبة لم يحققها أي حزب يميني متطرف في أي ولاية ألمانية منذ عام 1945، وقد اعتبر المراقبون هذا الفوز زلزالا سياسيا حقيقيا يهدد التوازنات التي قامت عليها الديمقراطية الألمانية بعد الحرب. حزب البديل من أجل ألمانيا لم يكن في بداياته حزبا متطرفا، فقد تأسس سنة 2013 على يد مجموعة من الاقتصاديين المحافظين الذين كانوا يعارضون سياسات الإنقاذ المالي لمنطقة اليورو، وكان خطابه في البداية يركز على القضايا الاقتصادية والنقدية، لكن التحول الكبير حدث مع أزمة اللاجئين بين عامي 2015 و 2016 عندما استقبلت ألمانيا أكثر من مليون لاجئ، حينها غير الحزب بوصلته بشكل كامل وأصبحت قضايا الهجرة والهوية الوطنية هي المحور الأساسي لخطابه الانتخابي. هذا التحول مكنه من دخول البرلمان الاتحادي لأول مرة في 2017 ثم تعزيز موقعه في كل الانتخابات اللاحقة. في انتخابات ساكسونيا أنهالت الأخيرة، قاد الحزب مرشح شاب يبلغ من العمر 35 سنة يدعى أولريش سيغموند، وهو رجل أعمال سابق في مجال بيع العطور، استطاع أن يقدم نفسه بوجه مبتسم وصورة مختلفة عن الصورة النمطية للسياسي المتطرف، وقد ركز في حملته على شعار رؤية 2026 الذي تضمن عشر نقاط قال إنه سينفذها في أول مائة يوم من حكمه، ومن بينها ما وصفه بالترحيل من الدقيقة الأولى للمهاجرين غير الشرعيين، وهو خطاب وجد صدى واسعا لدى الناخبين في شرق ألمانيا. النتائج التي أعلنتها مفوضية انتخابات الولاية أظهرت أن الحزب حصل على حوالي 39 مقعدا من أصل 83 مقعدا في برلمان الولاية، أي أنه فشل بفارق ثلاث مقاعد فقط عن تحقيق الأغلبية المطلقة التي تمكنه من الحكم منفردا، وقد حصل الاتحاد المسيحي الديمقراطي الذي يقوده رئيس الوزراء الحالي سفين شولتسه على المرتبة الثانية بفارق كبير، بينما تراجعت الأحزاب التقليدية الأخرى بشكل حاد. نسبة المشاركة في هذه الانتخابات بلغت 77 بالمئة حسب شبكة ZDF، وهي نسبة عالية جدا تعكس حجم الاهتمام والاستقطاب الذي تعيشه الولاية. على المستوى الوطني، أصبح الحزب اليوم يتصدر استطلاعات الرأي في عموم ألمانيا بنسبة تصل إلى 28 بالمئة، متقدما على حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الذي يقوده المستشار الحالي فريدريش ميرتس والذي لا تتجاوز نسبته 22 بالمئة، وهذا يعني أن الحزب الذي كان يعتبر هامشيا قبل عشر سنوات أصبح اليوم القوة السياسية الأولى في البلاد حسب الأرقام. أسباب هذا الصعود متعددة ومتشابكة، فهناك أولا ملف الهجرة الذي يعتبره الحزب أن ألمانيا فقدت السيطرة على حدودها وأن الهجرة غير المنظمة تفرض ضغوطا كبيرة على الخدمات العامة والسكن والأمن والتماسك الاجتماعي، وهناك ثانيا الفجوة الاقتصادية بين شرق ألمانيا وغربها، فسكان الشرق يشعرون بأنهم مهمشون وأن ثمار الوحدة لم تصلهم بالشكل الكافي، كما أن هناك ثالثا حالة عدم رضا واسعة عن أداء الحكومة الفيدرالية، حيث أظهرت استطلاعات أن 87 بالمئة من الناخبين في ساكسونيا أنهالت غير راضين عن أداء حكومة برلين، وقد وصف الخبير الاقتصادي مارسيل فراتسشر هذه الانتخابات بأنها كانت في جوهرها تصويتا بعقاب الحكومة. رد الفعل على هذا الفوز كان قويا ومتباينا، فمن جهة خرج المستشار الألماني فريدريش ميرتس ليعبر عن صدمته من النتيجة وحذر من خطر تشكيل أول حكومة يمينية متطرفة ورئيس وزراء يميني متطرف في ولاية ألمانية منذ نهاية الحرب، ومن جهة أخرى شهدت مدن مثل إرفورت وماغديبورغ وبرلين مظاهرات حاشدة شارك فيها ما بين 15 ألفا و50 ألف شخص حسب التقديرات، حيث رفع المتظاهرون شعارات مثل لا تسامح مع الفاشية وأغلقوا الطرق المؤدية إلى مقرات مؤتمرات الحزب، كما عبر المجلس المركزي لليهود في ألمانيا عن قلقه الشديد من النتيجة. هيئة حماية الدستور الألمانية وهي جهاز الاستخبارات الداخلية تصنف فرع حزب البديل في ساكسونيا أنهالت وفي ولايات شرقية أخرى ضمن خانة أقصى اليمين المتطرف، وتتهمه باستخدام مصطلحات مثل إعادة التهجير التي تعني إعادة مهاجرين أو أشخاص من أصول مهاجرة إلى خارج ألمانيا وأحيانا بوسائل قسرية. دوليا، هنأ الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الحزب بفوزه واعتبر أن ما حدث هو أمسية جيدة جدا للحزب الشعبوي وربط ذلك بفشل سياسات الهجرة في أوروبا. الآن السؤال الكبير المطروح في برلين هو ماذا بعد، فالحزب رغم فوزه الكبير لا يملك الأغلبية المطلقة، وجميع الأحزاب الأخرى أعلنت التزامها بما يسمى الجدار الناري الذي يمنع أي تعاون أو تحالف مع اليمين المتطرف، لكن هذا الجدار بدأ يظهر عليه بعض الشقوق مع وجود أصوات داخل الاتحاد المسيحي تطالب بمراجعة هذا الموقف، وإذا تم كسر هذا الجدار فستكون سابقة تاريخية قد تفتح الباب أمام وصول الحزب إلى السلطة على المستوى الوطني في انتخابات 2029 التي يعتبرها سيغموند هدفه القادم. هذا الفوز لا يهم ألمانيا وحدها بل يهم أوروبا كلها، فألمانيا هي أكبر اقتصاد في أوروبا ومحرك الاتحاد الأوروبي، وصعود حزب يشكك في الاتحاد الأوروبي ويدعو لتشديد سياسات الهجرة بشكل جذري سيكون له تأثير مباشر على مستقبل العلاقات الفرنسية الألمانية وعلى سياسات الاتحاد الأوروبي ككل تجاه الهجرة والمناخ والاقتصاد. في النهاية يمكن القول إن ما حدث في ساكسونيا أنهالت ليس مجرد انتخابات محلية في ولاية صغيرة قليلة السكان من ألمانيا الشرقية سابقا، بل هو مؤشر عميق على تحولات اجتماعية وسياسية كبيرة تعيشها ألمانيا وأوروبا، حيث لم تعد الأحزاب التقليدية قادرة على إقناع فئة واسعة من الناخبين الذين وجدوا في خطاب البديل من أجل ألمانيا تعبيرا عن مخاوفهم وغضبهم، والمستقبل سيظهر هل ستنجح المؤسسات الديمقراطية الألمانية التي بنيت خصيصا لمنع عودة التطرف في احتواء هذا الصعود أم أن ألمانيا مقبلة على مرحلة سياسية جديدة تماما.

المصدر: وكالة رويترز وشبكة الجزيرة الإنجليزية نقلا عن النتائج الرسمية لانتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت الألمانية - 6 شتنبر 2026


Hicham Bouziani

هشام بوزياني، ناشر مدونتين: موقع إخباري news.6bonizani.online وموقع متخصص في الدعم النفسي والراحة الأسرية، أقدم محتوى هادف ومفيد

إرسال تعليق

أحدث أقدم